محمود توفيق محمد سعد
226
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
والثاني المتعلق به من غير ناسق لساني دليل شهودي تمكن مشاهدته ولا سيّما في عصرنا هذا هو خلق الإنسان من نطفة ، عاطفا عليه دليلا شهوديا يشارك الإنسان في خلقه من نطفة هو خلق الأنعام . . . ( ي : 5 - 9 ) ثم يأتي دليل من النعم مبسوط يشارك عالم الحيوان في كونه نعمة مسخرة للإنسان ( 10 - 16 ) وهذا الدليل الثالث المستدل به على وحدانية المنعم وكمال علمه وقدراته واختياره قد نسقت آياته على نحو بديع يجعلها ثلاثة عوالم : العالم الأول : العالم المكشوف المحيط بالهواء ( ي : 10 - 13 ) العالم الثاني : العالم المغمور الهابط ( البحار ) ( ي : 14 ) العالم الثالث : العالم الشاهق ( الجبال ) ( ي : 15 - 16 ) ثمّ يأتي مقطع المعقد قائما بالانكار التوبيخي لمن جعل من يخلق ذلك الخلق البديع الدّالّ على وحدانيته . . . كمن لا يخلق شيئا تترابط آيات المعقد وتنسق نسقا بديعا لا قبل لأحد أن يقدّم وأن يؤخر ، وأنت إذ تنظر في أنواع الربط تجد بعضها ربطا معنويا باطنيا كما في الآيات الأول من آيات هذا المعقد وبعضها ربطا بناسق لسانيّ ، كما في آيات الدليل الأخير من لآيات المعقد . ولا يتسع المقام لتفصيل الترابط بين آيات كل معقد في السورة والنظر في تأويل البقاعي في تناسب آيات هذا المعقد يكشف لك كثيرا من معالم منهاجه في هذا " « 1 » * * * وهو قد يبدي وجوها عدة في ربط الآية بما سبقها غير مكتف بوجه ، كما تراه في تبيان وضع قول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( البقرة : 62 ) في سياق قصص بني إسرائيل : " ولمّا بيّن سبحانه وتعالى أنّهم لمّا تعنتوا على موسى عليه السّلام . . . أورثهم كفرا في قلوبهم ، فمردوا على العصيان ، والتجرؤ على مجاوزة الحدود ، فضرب عليهم الذّلّة والمسكنة ، وأحلهم الغضب وكان في ذلك تحذير لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم ، وإعلام بأنّ المتقين المستجاب لهم في الدّعاء بالهداية ليسوا في شيء
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 11 / 101